الشيخ أحمد فريد المزيدي

151

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

وسئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن الحقيقة ؟ فقال : أذكره ثم أدع هذا وهذا « 1 » . قال الجنيد : ما بلغ أحد درجة الحقيقة إلا وجب عليه التقيّد بحقوق العبودية وحقيقتها ، وصار مطالبا بآداب كثيرة ، لم يطالب اللّه بها غيره « 2 » . قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : أبت الحقائق أن تدع في القلوب مقالة للتأويلات « 3 » . قال الجنيد : سمعت سريّا يقول وقد وصف أهل الحقائق : أكلهم أكل المرضى ، ونومهم نوم الغرقى « 4 » . قال الجنيد : قال لي السريّ السقطيّ : قال لي أخي أبو يزيد بن عيسى قدّس اللّه أرواحهم : من نظر إلى الخلق بعين العلم مقتهم ، وهرب إلى اللّه تعالى منهم ، ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم وكان طريقا لهم إليه « 5 » . قال قدّس سرّه : الخوف يقبضني ، والرجاء يبسطني ، والحقيقة تجمعني ، والحق يفرقني ، فإذا قبضني بالخوف أفناني عنّي بوجودي ، فصانني عني ، وإذا بسطني بالرجاء ردّني علي بفقدي ، فأمرني بحفظي ، وإذا جمعني بالحقيقة أحضرني فدعاني ، وإذا فرقني بالحق أشهدني غيري فغطّاني عنه ، فهو في ذلك كله محركي غير ممسكي ، وموحشي غير مؤنسي ، بحضوري أذوق طعم وجودي ، فليته أفناني عني فمتّعني ، أو غيبني عني فروّحني وللفناء أشهدني ، فنائي وبقائي ، ومن حقيقة فنائي أفناني عن بقائي وفنائي ، فكنت عند حقيقة الفناء بغير بقاء ولا فناء ، بفنائي وبقائي لوجود الفناء والبقاء ، لوجود غيري بفنائي « 6 » . قال الجنيد : الطرق كلها مسدودة على الخلق ، إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم واتّبع سنته ، ولزم طريقته ، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه « 7 » .

--> ( 1 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 286 ) . ( 2 ) انظر : الكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 575 ) . ( 3 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 287 ) . ( 4 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 286 ) . ( 5 ) انظر : روضة الحبور ( ص 39 ) ، بتحقيقنا . ( 6 ) النص من نشرة عبد القادر ( ص 53 ) ، عن المخطوطتين ( 226 - 227 ) . ( 7 ) انظر : طبقات الصوفية ( ص 159 ) ، والرسالة ( 1 / 106 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 263 ) ، والاستقامة لابن تيمية ( ص 97 ) .